السيد محمد حسين فضل الله

261

من وحي القرآن

باعتبار أن ذلك هو السبيل للحصول على الجنة ونعيمها التي لا تقاس بها مواقع الشهوات في الدنيا ، ولذلك لم يذكر في هذه الآية كيف يمارس الناس هذه الشهوات في خط الانحراف . وإذا كان العلامة الطباطبائي يعتمد على السياق باعتبار أنه وارد في الحديث عن الكفار ، فإن ذلك لا يوجب مثل هذا الظهور المدّعى ، لأن للقرآن أساليبه التي ينتقل فيها من موضوع إلى موضوع من أجل عرض الخطوط العامة في ميزان القيمة الروحية ليعرف الناس فيها موازين الأمور فيأخذوا بالأفضل منها . ومما يؤيد ذلك أن حبّ الشهوات ليس شيئا يختص به الكفار ، بل هو من خصائص الإنسان بجميع أصنافه في وجوده الغريزي ، فقد كان الحديث حديثا عن الطبيعة الإنسانية المادية التي يريد اللَّه للإنسان أن يرتفع ويسمو بها في آفاق الروح عندما يحركها في الخط المستقيم الذي أراده اللَّه لعباده المتقين . وقال : « وأما ثانيا ، فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى ، لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور ، فكان الأنسب في التعبير أن يقال : زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 4 - 5 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء : 70 ] ، الآية ، وأمّا لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ودناءة الفكر نحو قوله : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [ الحجرات : 13 ] ، وغير ذلك » « 1 » .

--> ( 1 ) م . س . ، ج : 3 ، ص : 119 .